الشيخ السبحاني

223

بحوث في الملل والنحل

الرفد ولم ير زمان أصعب من زمانه . ودخل هشام بستاناً له ومعه ندماؤه فطافوا به وفيه من كل الثمار ، فجعلوا يأكلون ويقولون : بارك اللَّه لأمير المؤمنين فقال : وكيف يبارك لي فيه وأنتم تأكلونه ثمّ قال : ادع قيّمه فدُعي به فقال له : أقلع شجره واغرس فيه زيتوناً حتى لا يأكل أحد منه شيئاً ، وكان أخوه مسلمة مازحه قبل أن يلي الأمر فقال له : يا هشام أتؤمل الخلافة وأنت جبان بخيل قال : أي واللَّه العليم الحليم . ومن نوادره ما روي أنّه تمادى في الصيد فوقع على غلام فأمر ببعض الأمر ! ! فأبى الغلام وأغلظ له في القول وقال له : لا قرب اللَّه دارك ولا حيّا مزارك - في قصة طويلة فيها - أنّه أمر بقتله وقرب له نطع الدم فأنشأ الغلام يقول : نبئت أنّ الباز علّق مرّة * عصفور برّ ساقه المقدور فتكلّم العصفور في أظفاره * والباز منهمك عليه يطير ما في ما يغني لبطنك شبعة * ولئن أكلت فإنّني لحقير فتعجّب الباز المدل بنفسه * عجباً وأفلت ذلك العصفور فضحك هشام وقال : يا غلام أحش فاه دراً وجواهر « 1 » . أقول : إذا كان هذا أكره الخلفاء للدماء وأشدهم عليه فمن هو أحرصهم عليها وعلى إراقتها ، وكأنّي بشاعر المعرة يخاطب ابن سعد صاحب الطبقات ومن لفّ لفّه ويقول : إذا وصف الطائي بالبخل مادر * وعيّر قساً بالفهاهة بأقل وقال السهى للشمس أنت خفية * وقال الدجى للصبح لونك حائل وطاولت الأرض ، السماء ترفعاً * وفاخرت الشهب الحصى والجنادل فيا موتُ زُر إنّ الحياة ذميمة * ويا نفس جدي ، إنّ دهرك هازلا

--> ( 1 ) . عماد الدين الحنبلي : شذرات الذهب : 162 - 164 .